الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

263

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

وَخَتَمَ بِهِ الْوَحْيَ - فَجَاهَدَ فِي اللَّهِ الْمُدْبِرِينَ عنَهُْ وَالْعَادِلِينَ بِهِ « أرسله على حين فترة من الرّسل » في الخبر : أنّ أهل السماوات لم يسمعوا وحيا في ما بين أن بعث عيسى إلى أن بعث محمّد صلى اللّه عليه وآله وسلم ، فلمّا بعث اللّه جبرئيل إليه فسمع أهل السماوات صوت وحي القرآن كوقع الحديد على الصفا علموا أنّ اللّه بعث نبيّا ( 1 ) . « وتنازع من الألسن » قال ابن أبي الحديد : معنى تنازع من الألسن : أنّ قوما في الجاهلية كانوا يعبدون الصنم ، وقوما يعبدون الشمس ، وقوما يعبدون الشيطان ، وقوما يعبدون المسيح ، فكلّ طائفة تجادل مخالفيها بألسنتها لتقودها إلى معتقدها ( 2 ) . قلت : الأظهر أنّ معناه : أنّ الناس كانوا قبل رسالته يتنازعون في ملل ونحل ، لم يكن لها معنى في القلوب ، بل مجرد ألفاظ على الألسن ، فيكون قوله عليه السّلام : « وتنازع من الألسن » نظير قول يوسف عليه السّلام في ما حكى اللّه تعالى عنه : ما تَعْبُدُونَ مِنْ دوُنهِِ إِلّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ . . . ( 3 ) ، أو المراد أنّهم كانوا يتنازعون في أنواع الكلام من القصائد والخطب والأراجيز هل هذه أحسن أو تلك ، فكانوا قبل بعثة النبيّ صلى اللّه عليه وآله يباهون بذلك ، وقصّة المعلّقات السبع معروفة ، قال امرؤ القيس لمّا احتضر في أنقرة في آخر شيء تكلّم به : ربّ خطبة محبّرة ، وطعنة مسحنفرة ، وجفنة مثعنجرة ، تبقى غدا بأنقرة . ومن السبع المعلّقات قصيدة عمرو بن كلثوم التغلبي ، التي كان قام بها

--> ( 1 ) لم أجده بهذا اللفظ ، نعم له شاهد أخرجه الصدوق في كمال الدين : 161 ح 20 . ( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 362 . ( 3 ) يوسف : 40 .